befirst
نحو التطوير التنظيمي الدوائي في سوريا الجديدة: الاستفادة من التجربة المصرية في تحقيق النضج التنظيمي

نحو التطوير التنظيمي الدوائي في سوريا الجديدة: الاستفادة من التجربة المصرية في تحقيق النضج التنظيمي

تعد مصر من الدول الرائدة في المنطقة التي أحرزت تقدمًا ملحوظًا في مجال الشؤون التنظيمية الدوائية، حيث تمكنت من تحقيق درجة النضج الثالثة وفقًا لتقييم منظمة الصحة العالمية (WHO). تعكس هذه الدرجة قدرة الصناعة التنظيمي على ضمان توفر أدوية آمنة وفعالة وعالية الجودة، وهو إنجاز يعزز مكانة مصر كأحد أبرز الدول التي تتبنى الممارسات التنظيمية العالمية.

جاء هذا التطور نتيجة التزام هيئة الدواء المصرية (EDA) بتطبيق أفضل الممارسات التنظيمية (Good Regulatory Practices) والاعتماد على معايير الجهات التنظيمية الصارمة (SRAs) ومنظمة الصحة العالمية في تقييم سلامة وفعالية المنتجات الدوائية. كما تسعى مصر إلى مواكبة التطورات العالمية من خلال تحسين آليات مراقبة ما بعد التسويق وتطوير مسارات التسجيل السريعة التي تسهل وصول الأدوية الحيوية إلى السوق في وقت قياسي.

يعتبر هذا التقدم مؤشرًا على الجهود المبذولة لتعزيز القطاع الدوائي في مصر ودعم الصحة العامة. وستناقش هذه المقالة المعايير التي ساهمت في تحقيق هذا الإنجاز، مع التأكيد على أهمية الاستناد إلى مرجعيات دولية مثل منظمة الصحة العالمية في تحسين السياسات التنظيمية وضمان استدامة التقدم المحرز.

يوجد العديد من الإجراءات التنظيمية والمتطلبات لتسجيل المنتجات الدوائية البشرية في مصر، والتي يمكن مقارنتها بالممارسات التنظيمية العالمية ومنها:

1. الاعتماد على السلطات التنظيمية الصارمة (SRAs) والتأهيل المسبق من منظمة الصحة العالمية (WHO):

تتبنى هيئة الدواء المصرية (EDA) ممارسات الاعتماد الجيد (GRP) لتقييم بيانات السلامة والفعالية والجودة للمنتجات الدوائية المسجلة لدى SRAs أو المنتجات المؤهلة مسبقًا من قبل منظمة الصحة العالمية. هذا مشابه لمسارات الاعتماد المستخدمة من قبل هيئات تنظيمية أخرى، مثل اعتماد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على وكالة الأدوية الأوروبية (EMA) أو SRAs أخرى لبعض الموافقات.

مسارات التحقق والتقييم المختصر: لدى هيئة الدواء المصرية مسارين رئيسيين للتقييم: التحقق (للمنتجات المعتمدة من قبل ما لا يقل عن سلطتين تنظيميتين صارمتين أو سلطة واحدة ومنظمة الصحة العالمية) والتقييم المختصر (للمنتجات المعتمدة من قبل سلطة صارمة واحدة أو منظمة الصحة العالمية). يتشابه ذلك مع المسارات المختصرة التي تستخدمها وكالة EMA ووكالات أخرى، حيث يساهم الاعتماد على التقييمات السابقة من SRAs في تسريع عملية الموافقة.

2. مفهوم “التطابق الكامل والجزئي”:

يعد مفهوم “التطابق” أساسيًا في عملية تقييم هيئة الدواء المصرية، لضمان أن المنتج المقدم هو نفس المنتج المعتمد من السلطة المرجعية. يشمل ذلك التركيبة النوعية والكمية، موقع التصنيع، المواصفات، والمعلومات الأساسية عن المنتج. هذا مشابه لمتطلبات “الدراسات الجسرية” أو “القابلية للمقارنة” في ولايات قضائية أخرى، حيث يجب إثبات أن المنتج المحلي مكافئ للمنتج المرجعي.

3. التزامات الشركات:

يجب على الشركات الامتثال لقوانين الملكية الفكرية، وضمان وضع علامات صحيحة، وإخطار هيئة الدواء المصرية بأي تغييرات في التخزين أو التصنيع، وإنتاج المنتج باستخدام نفس مصدر المواد الفعالة (APIs) المستخدمة في الدُفعات التجريبية. تتماشى هذه المتطلبات مع التوقعات التنظيمية العالمية، لا سيما في ضمان التتبع وضبط الجودة.

4. مواصفات الدُفعات التجريبية:

تحدد هيئة الدواء المصرية أن تكون الدُفعات التجريبية 10% على الأقل من حجم الدُفعات الإنتاجية، وأن يتم إنتاجها باستخدام نفس صيغة التركيب والتغليف وعملية التصنيع الخاصة بالمنتج النهائي. يتماشى هذا مع الإرشادات العالمية مثل تلك الصادرة عن المجلس الدولي لمواءمة المتطلبات الفنية للمستحضرات الصيدلانية للاستخدام البشري (ICH)، التي تؤكد على أهمية الاتساق بين الدُفعات التجريبية والتجارية.

5. اليقظة الدوائية وإدارة المخاطر:

تطلب هيئة الدواء المصرية من الشركات تقديم ملف نظام اليقظة الدوائية (PSMF) وخطة إدارة المخاطر (RMP)، وهما من المتطلبات القياسية في الأطر التنظيمية العالمية، مثل تلك الخاصة بوكالة EMA وإدارة FDA. تضمن هذه الوثائق أن الشركات لديها أنظمة لمراقبة وإدارة سلامة منتجاتها بعد الموافقة.

6. دراسات الاستقرار:

تطلب هيئة الدواء المصرية دراسات ثبات مسرعة (6 أشهر) ودراسات ثبات طويلة الأمد (12 شهرًا) للدُفعات التجريبية. يتوافق ذلك مع إرشادات ICH (مثل ICH Q1A) التي تتطلب اختبارات استقرار لتحديد مدة صلاحية المنتج.

7. دراسات التكافؤ الحيوي والتوافر الحيوي:

بالنسبة لبعض المنتجات، تطلب هيئة الدواء المصرية دراسات التكافؤ الحيوي (BE) والتوافر الحيوي (BA)، لا سيما للمنتجات الجنيسة. يُعد هذا مطلبًا شائعًا في الأطر التنظيمية العالمية لضمان أن المنتجات الجنيسة تؤدي وظيفتها بشكل مماثل للمنتج المرجعي.

8. التفتيش والامتثال لممارسات التصنيع الجيدة (GMP):

تشترط هيئة الدواء المصرية شهادة ممارسات التصنيع الجيدة (GMP) لمواقع التصنيع، وقد تُجرى عمليات التفتيش، بما في ذلك للمواقع التصنيعية الأجنبية. يتماشى ذلك مع الممارسات العالمية، حيث يُعد الامتثال لممارسات التصنيع الجيدة شرطًا أساسيًا للموافقة على المنتجات.

9. إجراءات المسار السريع والمسار العادي:

تقدم هيئة الدواء المصرية إجراءات تقييم للمنتجات عبر المسارين العادي والسريع، مع جداول زمنية مختلفة للموافقة. يشابه ذلك المسارات المعجلة للمراجعة المتوفرة في أنظمة تنظيمية أخرى، مثل مراجعة الأولويات (Priority Review) لدى FDA أو التقييم المعجل (Accelerated Assessment) لدى EMA.

10. مراقبة ما بعد التسويق:

تشترط هيئة الدواء المصرية على الشركات تقديم تحديثات دورية عن السلامة وإجراء دراسات ما بعد التسويق، وهو مطلب شائع في الأطر التنظيمية العالمية لضمان مراقبة مستمرة لسلامة المنتجات.

11. مسارات خاصة للحالات الطارئة:

تسمح هيئة الدواء المصرية بتسجيل المنتجات في ظل ظروف طارئة مع تجاوز بعض المتطلبات القياسية. يشابه ذلك مسارات الترخيص للاستخدام الطارئ (EUA) التي تعتمدها FDA ووكالات أخرى أثناء حالات الطوارئ الصحية العامة.

12. تمديدات الخطوط الإنتاجية:

تسمح هيئة الدواء المصرية بتمديد الخطوط الإنتاجية (مثل عيارات أو أشكال جرعية جديدة) وفق شروط معينة، وهو إجراء شائع عالميًا. ومع ذلك، فإن اشتراط الهيئة أن تمديدات الخطوط لا تُحتسب ضمن الحد الأقصى الشهري للتقديمات هو ميزة فريدة.

13. التصنيع المحلي ومتطلبات التصدير:

تمتلك هيئة الدواء المصرية مسارات خاصة للمنتجات المصنعة محليًا والموجهة للتصدير، مع تقليل المتطلبات لبعض الدراسات (مثل التكافؤ الحيوي). يُعد هذا الأمر فريدًا في مصر، حيث تطلب العديد من الدول نفس مستوى الأدلة للمنتجات المحلية والموجهة للتصدير.

14. الشفافية والوصول العام للمعلومات:

تنشر هيئة الدواء المصرية قوائم بالمنتجات المعتمدة وتحدثها بانتظام، وهو ممارسة جيدة تعزز الشفافية. ومع ذلك، قد يختلف مستوى التفاصيل وسهولة الوصول إلى هذه المعلومات مقارنة بأنظمة تنظيمية أكثر تقدمًا مثل FDA أو EMA التي توفر قواعد بيانات شاملة متاحة للجمهور.

15. تحديات التنفيذ:

على الرغم من شمولية الإطار التنظيمي لهيئة الدواء المصرية، يشير المستند إلى تحديات محتملة في التنفيذ، مثل التأخيرات في معالجة الطلبات، الحاجة إلى تقديم الطلبات بشكل متكرر، وتعقيد التنقل بين المسارات التنظيمية المتعددة. هذه التحديات ليست حكرًا على مصر، بل شائعة في العديد من الأنظمة التنظيمية، خاصة في الأسواق الناشئة.

يتماشى الإطار التنظيمي المصري للمنتجات الدوائية بشكل كبير مع أفضل الممارسات العالمية، لا سيما في اعتماده على السلطات التنظيمية الصارمة (SRAs)، تركيزه على الجودة والسلامة، ومتطلبات اليقظة الدوائية ومراقبة ما بعد التسويق. ومع ذلك، توجد بعض الجوانب الفريدة، مثل المسارات الخاصة للتصنيع المحلي والتصدير، التي تعكس السياق المحلي. أما التحديات المتعلقة بالتنفيذ، مثل التأخيرات والتعقيد، فهي شائعة في العديد من الأنظمة التنظيمية وتسلط الضوء على الحاجة إلى تحسين مستمر في العمليات التنظيمية.